الجمعة، 5 أبريل، 2013

"زجلر" .. عن بعد .. ومن قرب "مقالات دكتور نسيم الصمادي"



رحل عظيم آخر من عظماء الإدارة والبيع في العالم.  يقال بأن "زجلر" هو ثاني أعظم بائع في العالم.  و"زجلر" نفسه – بالمناسبة – هو من قال ذلك.  فهو يرى أن بائع السيارات "جو جاراد" الذي كان يبيع 1400 سيارة في العام، هو أعظم بائع في التاريخ.  وفي مكتبه في "دالاس تكساس" ابتسم وهو يقول لي: لم يكن "جاراد" أذكى مني، ولكنه كان منظمًا ويبذل جهدًا أكبر.

برحيل "زجلر" يكون العالم قد فقد مؤخرًا ثلة من عظماء الإدارة والقيادة الذين سيذكرهم التاريخ لعقود وقرون قادمة.  من هؤلاء "بيتر دراكر" الذي ترك 39 كتابًا، كتب آخرها وهو في الرابعة والتسعين من العمر.  ومنهم أستاذ "الهندرة" "مايكل هامر"، و"ستيفن كوفي" صاحب نظرية الفعالية القيادية بمنظومة العادات السبع، و"براهالاد" صاحب نظرية "الكفاءات المحورية في التنافس على المستقبل."  وأخيرًا "زجلر" وهو أستاذ التحفيز والتفكير الإيجابي ومدرب المبيعات الأول بلا منازع.

ولي مع "زجلر" قصة شخصية تستحق أن تروى.  وفيها واحد من أعظم دروس البيع والعرض التي تعلمتها في حياتي.  فأنتم تذكرون ما حدث في 11 سبتمبر 2001 من كارثة عالمية ألحقت بنا دمارًا ما زالت تداعياته تلاحقنا نحن العرب حتى اليوم.  في أواخر ذلك  العام أعلن "زجلر" عن يوم تدريبي مجاني تبرع فيه لكل البائعين المحبطين وكل الإيجابيين الذين يحبون الاستماع إليه وهو يقفز على المسرح برشاقة، لا مقلدًا مثلما يفعل المدربون الرقاصون، ولا صارخًا بأعلى صوته كما يفعل المدربون المطربون.  أعلن "زجلر" عن يوم تدريبي أظنه كان يوم 19 أو 20 ديسمبر 2001.

كنت في ذلك التاريخ أقيم في "دبي" وأحجز لأسافر إلى "أمريكا" لزيارة أبنائي الذين كانوا يدرسون في "فلوريدا".  فغيرت وجهتي من "فلوريدا" إلى "واشنطن" وذهبت لأسمع وأرى ما سيقدمه "زجلر" بعد 11 سبتمبر.

تعمدت الحجز في فندق "هيلتون" حيث سيكون اللقاء، وتناولت إفطاري في السادسة صباحًا، عاقدًا العزم على أن أكون أنا العربي – المتهم – والقادم من الشرق أول من يدخل مكان اللقاء.  وبالفعل، كنت أسجل حضوري في السابعة صباحًا، ودخلت دون أن يسألني أحد عن جنسي وجنسيتي وديني ويقيني، فقط اسمك ورقم التسجيل، وتفضل يا "مستر صمادي". ولكي أشبع فضولي وأشعر بالإنجاز، جلست في الصف الأول، على بعد مترين من المسرح.

دخل "زجلر" برشاقته المعتادة في الثامنة تمامًا، لم يتأخر ثانية واحدة، وبدأ يؤدي ويتكلم بحماسه الأخاذ، وقد امتلأ المسرح بكافة أركانه، وكانت البداية أكبر مفاجأة يمكن أن يتوقعها أحد.  بدأ قائلاً: "في هذا اليوم من تاريخ "أمريكا"، أرحب بكم أيها البائعون، يا من صنعتم مجد "أمريكا" الاقتصادي، وبنيتم أبراجها العملاقة.  فعندما تبيعون تحركون عجلات الإنتاج، وترسمون بجهدكم وعرقكم أبعاد المستقبل.  ولكي أكرمكم وأعبر عن حبي واعتزازي بكم، سأدعو أحدكم لأصافحه وأكرمه على المسرح."

توقف الرجل قليلاً، وأخذ نفسًا عميقًا وقال: "من سافر منكم أكثر من ألف ميل، يتفضل بالوقوف."  ومن بين الثلاثة آلاف مشارك، وقف ما يقرب من مائتين.  ثم قال: "من قطع مسافة 2000 ميل ليحضر إلينا، يبقى واقفًا، والآخرون يجلسون."  ولم يبق واقفًا إلا حوالي 10 أوأقل.  ثم قال: "من قطع أكثر من 3000 ميل، يبقى واقفًا، والآخرون يجلسون."  فنظرت حولي واقفًا، ولم أر في الطرف القصي من القاعة سوى منافس واحد.  لاحظ "زجلر" أنه لم يبق من الواقفين سوى اثنين، واستمر في المزاد: "من قطع أكثر من 4 آلاف ميل، 5 آلاف، 6 آلاف، 7 آلاف"، وبقيت واقفًا والرجل الآخر كذلك.  وعندما قال: "من سافر أكثر من 8 آلاف ميل يبقى واقفًا"، جلس الرجل الآخر، وبقيت وحدي.  ولكن "زجلر" ناداه بوضوح وقال: من أين أتيت؟  فرد الرجل بهدوء "من إسرائيل" فصفق الحاضرون.  وفي هذه اللحظة دعاني العجوز "زجلر" وكان في الخامسة والسبعين لأصعد إلى خشبة المسرح وصافحني بحرارة، وقال: "من أين أنت؟" قلت: "من الأردن."  فسأل: "ومن أين أتيت؟" قلت: "من دبي." فسألني: "وهل هي أبعد من إسرائيل؟" قلت: "بأكثر من ألف ميل". وهنا صفق الحاضرون بحرارة أكثر.

رفع "زجلر" حقيبة ضخمة كانت إلى جانبه، وفتحها وقال: "قررت أن أقدم كل ما أنتجته في حياتي من كتب وأشرطة وأفلام وملفات هدية لمن قطع أطول مسافة ليشاركنا هذا اليوم المشهود.  وهي كلها من نصيبك! ما اسمك مرة أخرى؟"  قلت: "نسيم صمادي."  ماذا تعمل يا نسيم؟  قلت: "مثلك تمامًا".  قال: "وهل قطعت كل هذه المسافة من أجل يوم واحد فقط؟"  قلت: "نعم، وهناك سببان آخران."  فشنف أذنيه بالمعنى الحرفي للكلمة وسأل: "ما هما؟"  قلت: "جئت أولاً لأصافحك"، ومددت يدي وصافحته مرة ثانية!  "وجئت أيضًا لأشارككم هذا اليوم!  وكذلك لأقضي الإجازة مع أولادي الذين يدرسون في جامعاتكم المحترمة.  ولسوف أقضي مع أبنائي أسبوعين على الأقل!"
وما حدث بعد ذلك كان درسًا لا ينسى في المبيعات.  فتح الحقيبة الضخمة وبدأ يستعرض محتوياتها: "هذا كتاب «أراك على القمة»، وهذا كتاب «سيرتي الذاتية»، وهذه مجموعة «أسرار إغلاق الصفقات.»  وربما استغرق الأمر 3 دقائق حتى أفرغ كل ما كتب وألف وحكى وصور!  ثم بدأ يعيدها إلى الحقيبة ويقول: "هذه المجموعة كاملة نبيعها بـ 2000 دولار".  وفي هذه المناسبة، سنقدمها لكم جميعًا بـ 299 دولارًا للمجموعة.  وكرر ذلك عدة مرات.  كل ما طرح "زجلر" في عالم البيع والتحفيز والتواصل والقيادة والنجاح بـ 2000 دولار.  واليوم فقط، سنبيعها لكم بـ 299 دولارًا، تعاطفًا وتحالفًا وتآلفًا بيننا وبينكم.

حملت الحقيبة وعدت إلى مقعدي لأستمتع ببقية اليوم.  وخلال الاستراحتين التاليتين، كان المئات من البائعين يصطفون لشراء المجموعات.  ومن خلال التخمين يمكنني القول بأن "زجلر" قد باع في ذلك اليوم بأكثر من 200 ألف دولار. أما أنا فعمدت إلى تلخيص كتاب سيرته الذاتية ونشرته ضمن سلسلة "خلاصات" في شهر مارس من عام 2003 بعنوان "زجلر من الداخل = العدد 246".  وإذ وجدت في الحقيبة بطاقة أعماله وعنوانه، فقد اتصلت به وزرته في مكتبه في "تكساس" قبل عودتي إلى "دبي"، وقضيت معه ساعة في حوار علمي وإنساني مثير.

وكان ذلك أيضًا يومًا لا ينسى.  فقد استقبلني في المطار تلميذه الهندي "كريش دانام" – شاهدوه على يوتيوب.  فـ "دانام" هذا واحد من أفضل المتحدثين والمحفزين في العالم، ولولا لكنته الهندية لكان الأشهر والأكبر على مستوى العالم.  وقد شاركني في الجولة في مكاتب وستوديوهات "زجلر" تلميذه الثاني "برايان فلانجان" الذي سألني عن شعوري كعربي يزور "أمريكا" بعد الأحداث.  فقلت له: "مثل شعور أي إنسان يرفض العنف ويعمل لصالح البشرية".

أمامي الآن كتاب مقولات "زجلر" الأشهر، وفي صفحته الخامسة والعشرين أقرأ: "عندما نؤمن بأنه لا يوجد جنس أفضل من جنس، ولا عرق أفضل من عرق، فإننا نفتح أبواب التفاعل ونبني جسور التواصل لنؤسس لعلاقات إنسانية إيجابية بين الناس من كل الأجناس في العالم الذي يخصنا جميعًا نحن بنو البشر."
كان "زجلر" رجلاً استثنائيًا بكل المقاييس، وقبل مرور شهر على وفاته في 28 نوفمبر 2012، أقول له: "لقد عرفتك عن بعد، ثم عرفتك عن قرب، وأنت اليوم في عالم آخر، لا أملك إليه وصولاً، ومن عالمنا المادي المربك والمخيف، عالم الصفقات والمفاوضات والعنجهيات، عالمنا المدعم بالتقنيات، والمثقل بالتقلبات، والحافل  بالبيع والشراء؛ والأخذ والعطاء، أقول لك: شكرًا على كل شيء، شكرًا على الهدية."

نسيم الصمادي

من مقالات دكتور نسيم الصمادي